مما يجول في النفس | صحيفة الوطن

* عندما نتحدث عن المشاعر، فإنما نتحدث عن قيمة الأحاسيس التي نستشعر أثرها حين نجبر بها خواطر الآخرين، ونمتنّ لعطائهم، ونثني على إنجازاتهم، ونشاركهم في جميع مناسباتهم بالكلمة الطيبة، والرسالة المعبرة، واللقاء الودي المؤثر. ونستذكر دائماً الأثر النبوي الشريف، الذي كانت له ولا يزال مكانته في حياتنا؛ إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء».

* نحتاج دائماً إلى أن نتعامل بالود والرحمة والوئام، وأن نتبادل المشاعر في جميع المناسبات، وألا نكون أصحاب مشاعر «جافة» أو «جامدة» لا تتفاعل مع مناسبات الحياة وأحداثها، ومع أحبابها وأهلها وأصحابها. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت التعليقات الجميلة ومبادرات التهنئة والتفاعل في المناسبات المختلفة ذات أثر طيب على أصحابها، سواء عبر مجموعات «الواتساب»، بوردة، أو بعبارة «شكراً»، أو «جزاك الله خيراً»، أو غيرها من الكلمات الطيبة. وفي السابق كان آباؤنا وأجدادنا يسمّون ذلك «السنع»، وجبر الخاطر بالكلمات التي تترك أثراً عميقاً في النفس. نحتاج أن نتعامل مع الحياة بمشاعر أكثر دفئاً وعاطفة، وأن نبتعد عن أساليب الجفاء التي تؤثر سلباً في مساحات العلاقات الإنسانية.

* وعندما نتعامل في العمل الإداري بأسلوب «الأناة»، ونُقلّل من شأن فرق العمل التكاملية، ونعتمد الأسلوب الفردي القائم على عبارات من قبيل: «أنا وأنت، وهذا عملك وليس عملي»، وغيرها من الأساليب، فإننا بذلك نقضي على أهم أسس النجاح في الأعمال، ونفرز علاقات متوترة، وبيئة عمل قائمة على المنافسة الفردية لا الجماعية. وليس كل عمل مهيأً بالضرورة للنجاح وفق أسلوب «فرق العمل»، نظراً لوجود فوارق جوهرية في المهارات والقدرات والإمكانات والمبادرات، إلا أن هناك في الوقت ذاته مساحات آمنة ومهيأة لتحقيق النجاح بأثر أفراد الفريق، بشرط وجود قيادة تؤمن بالأثر الإيجابي، وبأهمية المشاركة بين الموظفين في إنجاح الأعمال من خلال فرق العمل التشاركية، التي ينعكس أثرها إيجاباً على بيئة العمل.

* وتصل في محطة ما من حياتك إلى اكتشاف أن هناك العديد من المشاعر الزائفة التي كان يتعامل معك بها البعض، من خلال أسلوب ودود مبتسم، يرفع من مقامك أمامك وأمام الآخرين. مشاعر تكتشف زيفها عبر رسائل ربانية واضحة، تشعر من خلالها بأن هناك بيئات حياتية قائمة على عواطف غير صادقة، وعلى معارف مبنية على مواقف عابرة، لا تقترن ولا تعترف بقيمة العطاء والإنجاز والأثر، بل ترتبط بشخصيات «طيبة القلب»، قادرة على إضحاك من حولها، أو كسب القلوب بكلمات حنونة تكسو القلوب مودة وأثراً.

* وفي جميع الأحوال، فإن المرحلة التي تصل إليها، أياً كان عمرك، تشعرك بضرورة أن تضع حداً لكثير من الأمور، وحداً لكثير من المواقف والأفراد الذين باتوا يستنزفون جزءاً كبيراً من وقت حياتك. ولعل بعضهم نال نصيب الأسد بوصوله إلى مبتغاه، راكباً على أكتاف غيره، وموثقاً اسمه في سجلات الإنجاز، على حساب من تحملوا أعباء الإنجاز والأثر والتأثير. إنها بالفعل رسائل ربانية، تحمد المولى الكريم على إرسالها إليك، لتنتبه إلى ما تبقى من فترات عمرك، فتصنع أثراً بأسلوب مختلف، وتحدّ من تأثير الظروف على نفسك وعطائك ومشروعك الحياتي القيمي.

* جميلة هي تلك اللحظات التي تحرص فيها على إسعاد من حولك، ولا سيما أولئك الذين أحبوك من قلوبهم، وأحببتهم بكل إخلاص، وجمعتك بهم أجمل اللحظات. جميلة هي اللحظات التي تعيشها وما زلت مع محبيك الذين يتمنون لك الخير كما يتمنونه لأنفسهم، ويشاركونك لحظات الحياة الجميلة، يضحكون على مواقف مرّت بهم، وذكريات جميلة ما زالت صورها بائنة في الأذهان وراسخة في الوجدان. ومن سيبقى في نهاية المطاف هم أهلك ومحبوك الصادقون في علاقاتهم معك، والذين تقاسموا معك مشاعر الحياة ومواقف الخير. فحافظ عليهم، وحافظ على محبتك وودّك معهم، واحذر أن تخدش مشاعرهم ولو بكلمة عابرة؛ فهم في نهاية المطاف يخافون عليك، ويصفقون لإنجازاتك، ويأنسون بذكر اسمك في مجالسهم. هم الصفوة في حياتك، حين تعود من عملك مكسور الخاطر، أو تنهي علاقتك بمقعد العمل بعد سنوات من العطاء، فلن يبقى من يواسيك بمشاعره إلا أهلك ومحبوك الذين زاملتهم في وجدان الحياة.

* ودائماً ما أستذكر قول المولى الكريم: «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا»، فهو الأسلوب الأمثل في التعامل مع النفس، ومع ما يقدمه المرء من عطاءات في الحياة. فالمقابل الحقيقي لأعمالنا ومواقفنا هو الأجر في صحائف الأعمال، لا انتظار كلمة شكر أو إطراء من الآخرين، بقدر ما نرجو رضا المولى وتوفيقه في أمور الحياة. فمحبة الله سبحانه وتعالى للعبد تستلزم أن يقابلها المرء بصالح الأفعال والأقوال، وبالقرب من المولى الديّان، والإخلاص في العمل، والصدق في النية. والناس في هذه الحياة ليسوا على نمط واحد في تعاملهم معك؛ فإن انتظرت منهم الإحسان ولو بكلمة طيبة، فقد تعجز عن ممارسة الخير في مسيرة حياتك. والأهم دائماً أن تتذكر: «لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا». اعمل الخير، واصنع مواقف الأثر الجميل، واستمر في عطائك؛ فأنت على موعد مع الفردوس الأعلى من الجنة.

ومضة أملاللهم لك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على نعمائك وفضلك، ولك الحمد أن وفقتنا إلى كل خير ترضاه عنا، ولك الحمد أن كشفت لنا ما يعيننا على أنفسنا، وعلى عراقيل الحياة، وأن نكون معك مبتغين رضاك، وعفوك، وكرمك.


مصدر الخبر

شاهد أيضاً

حصاد مميز لليوم الثالث ومواصلة التألق البحريني في منافسات غرب آسيا

حصاد مميز لليوم الثالث ومواصلة التألق البحريني في منافسات غرب آسيا

واصل لاعبو ولاعبات المنتخب البحريني البارالمبي تألقهم في منافسات اليوم الثالث، محققين نتائج لافتة وحاصدين …