الذكاء الاصطناعي.. هل يفسد ميزان العدالة؟

في زمن تتداخل فيه قدرات الذكاء الاصطناعي مع أدوات المهنة القانونية، وتتشابك فيه السرعة الرقمية مع ثقل المسؤولية الأخلاقية، برزت قضية تناولتها المحكمة المدنية والتجارية في إحدى الدول لتضع حداً فاصلاً بين ما يجوز وما لا يجوز في فضاء الممارسة القضائية، قصة محامٍ استشهد بأحكام قضائية لم تولد في سجلات المحاكم، بل ظهرت كسراب رقمي صنعته نتائج بحث غير موثوقة، وربما مولّدة عبر خوارزميات لا تميّز بين الحقيقة والتخيل، كان المحامي يظن أنه يسابق الزمن لمصلحة موكله، غير أن استعجاله قاده إلى أنصاف مصادر ونتائج هشة لا تقوى على الوقوف أمام نظر المحكمة.

لم يكن الأمر في بدايته ملفتاً، لكنه تحول إلى سؤال قضائي كبير حين طلبت المحكمة نسخ الأحكام المزعومة، ومع تعدد الطلبات وتبدّل الأعذار، تكشف للمحكمة أن السلوك لم يكن مجرد زلة عابرة، بل تصرف يفتقر إلى العناية المهنية الواجبة، ويصل إلى حد تقديم معلومات مضللة، ما يشكل ازدراءً لهيبة القضاء ونظامه، ومع ذلك، ورغم ثبوت المخالفة، اختارت المحكمة أن توازن بين الحزم والرحمة، فاكتفت بنشر الحكم وقبول الاعتذار، دون ذكر اسم المحامي، مراعية أن الواقعة الأولى قد تحمل معها درساً أقوى من أي عقوبة.

هذه القصة ليست حدثاً منفصلاً، بل حلقة ضمن سلسلة عالمية بدأت في الولايات المتحدة، وظهرت لاحقاً في بريطانيا وكندا وأستراليا، حيث قاد الاعتماد الأعمى على الذكاء الاصطناعي إلى استشهادات قانونية مزيفة، كل تلك الوقائع تحمل رسالة واحدة تتكرر بصرامة: التقنية لا تعفي الإنسان من مسؤوليته، ولا يمكن للخوارزميات أن تكون بديلاً عن عقل مهني يتحقق ويدقق ويقارن ويراجع.

ما حدث يضع مهنة المحاماة أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها، الذكاء الاصطناعي قادر على تقديم مساعدة عظيمة، لكنه قادر أيضاً على خلق الوهم بثقة عالية، وفي عالم القانون، الوهم ليس تفصيلاً بسيطاً؛ الوهم قد يضلل محكمة، ويشوّه بينات، ويفسد ميزان العدالة، لذلك جاء هذا الحكم ليعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي: المحامي ليس مجرد ناقل لما تمنحه الأدوات، بل هو حارس للمعرفة القانونية، وصاحب رسالة أخلاقية تقوم على التثبت والأمانة والدقة.

وفي ظل هذا التحول، تبدو مهنة القانون على مستوى العالم أمام عهد جديد، عهد لا يرفض التقنية، ولا يستسلم لها، بل يضبطها ويهذب استخدامها، ويعيدها إلى مكانها الصحيح كأداة تخدم العقل ولا تحل محله، فالتقنية قد تساعد في الوصول إلى الإجابة، لكنها لا يمكن أن تصنع الحقيقة، والحقيقة —كما تعرفها العدالة— لا تُستخرج من آلات، بل من ضمائر يقظة وعقول مسؤولة.

وهكذا يصبح هذا الحكم أكثر من مجرد قرار قضائي؛ يصبح علامة فارقة وجرس إنذار ورسالة مستقبلية، تقول بوضوح إن العدالة لا تتسامح مع الوهم، وإن المهنة لا تُصان إلا بالتثبت، وإن الذكاء الاصطناعي مهما تطور سيبقى محتاجاً إلى عين بشرية تعرف كيف تميّز الخطأ من الصواب، والظاهر من الحقيقة، والسراب من الحكم القضائي الصحيح، وفي هذا كله، يظل الإنسان — لا الآلة— هو الضامن الأول والأخير لنزاهة العدالة.

* إعلامية وباحثة أكاديمية


مصدر الخبر

شاهد أيضاً

سوقنا يسبب الحَرّة.. وليس سوقاً حرة

مباشرة إلى جيب المواطن | صحيفة الوطن

في ليالي المحرق وقفت طابوراً لمدة طويلة أمام بائعة الكباب البحريني البحرينية المنقبة ومساعدتها، وإلى …