في الخامس من فبراير 1968 وُلدت قوة دفاع البحرين بوصفها قراراً سيادياً يترجم معنى الدولة الحديثة: أمنٌ يحرس التنمية، وجنديةٌ تصون الهوية، ومؤسسةٌ تتقدم كلما تقدّمت البحرين. وفي الذكرى الثامنة والخمسين لتأسيسها، لا نكتب احتفاءً بتاريخٍ مكتمل، بل نقرأ مسيرةً متجددة تُثبت أن الولاء عملٌ يوميٌّ منضبط وتحديثٌ مستمر وحضورٌ مسؤول في محيطٍ لا يهدأ.
منذ البدايات، ارتكزت قوة الدفاع على رؤية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه، وتحوّلت هذه الرؤية إلى برامج جاهزية وتطوير تحت متابعة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، وقيادة وإشراف صاحب المعالي المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة القائد العام لقوة دفاع البحرين. هذا النسق القيادي جعل «التحديث» ثقافةً مؤسسية عنوانها: تدريبٌ متقن، وتكاملٌ بين الأفرع، واستثمارٌ واعٍ للتقنية والإنسان معاً.
وخلال عام 2025 برزت ملامح هذا النهج في تمارين مشتركة تُحاكي الواقع وتختبر منظومات القيادة والسيطرة. فمن تمرينٍ جويٍّ مشترك مثل (جند السماء/2) الذي شاركت فيه وحدات من قوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية، بما عزّز خبرات الاعتراض والإسناد والبحث والإنقاذ، إلى تمرين «ربدان شويمان» الذي عُقد في قاعدة الصخير الجوية بمشاركة الحرس الملكي البحريني ولواء المظليين الإماراتي، مؤكّداً أن الشراكات الاستراتيجية تُقاس بقدرتها على رفع الجاهزية وتطوير القدرات العملياتية المشتركة. وقد جاء التقرير السنوي لإنجازات وفعاليات وأنشطة قوة دفاع البحرين لعام 2025 ليؤكد استمرار وتيرة التطوير والتحديث. وفي ذلك رسالةٌ بأن الجاهزية ليست خياراً، بل التزامٌ وطنيٌّ دائم راسخ.
ومع مطلع 2026، تجسّد الامتداد الطبيعي لهذا النهج بإطلاق تمرين القيادات «حصن الوطن 2026» الذي أجرته قوة دفاع البحرين بمشاركة الحرس الوطني ووزارة الداخلية في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، ضمن خطة تدريبية تستهدف رفع الجاهزية القتالية والإدارية وتطوير القدرات القيادية وتعزيز التنسيق والتكامل، بما يحول التعاون المؤسسي إلى ممارسة ميدانية واضحة.
ولا يكتمل مفهوم القوة الحديثة دون طبٍّ عسكري يواكب الميدان ويخدم المجتمع. فقد عززت الخدمات الطبية الملكية بقوة دفاع البحرين حضورها عبر توسيع آفاق التعاون، ومنها توقيع مذكرة تفاهم مع القيادة المركزية الأمريكية لتعزيز التعاون الطبي وتبادل الخبرات، بما ينعكس على جودة الجاهزية الصحية، ويؤكد أن الأمن الشامل يبدأ من الإنسان. وفي الموازاة، تواصل مستشفيات القوة ومراكزها الطبية أداء رسالتها في خدمة المواطنين جنباً إلى جنب مع منتسبيها، كعنوانٍ للمسؤولية الاجتماعية والانضباط المهني.
ومن دلائل النضج المؤسسي أن قوة الدفاع لا تكتفي باستيراد التقنية، بل تسعى إلى صناعة حلولها، وترسيخ بيئة ابتكار تحفّز الكفاءات الوطنية. وتأتي جائزة ناصر بن حمد للابتكار العسكري، التي تعُد الأولى من نوعها محلياً وإقليمياً، شاهداً على هذا التوجه؛ إذ تفتح المجال أمام الأفكار القابلة للتطبيق لتطوير الأداء والارتقاء بالقدرات، لتصبح الابتكارات جزءاً من معادلة الردع.
أما الأثر الأعمق، فهو ذلك الجسر الإنساني الذي بنته قوة الدفاع مع مجتمعها حين فتحت باب التطوع المدني في القوة الاحتياطية. وهنا أستعيد لحظةً أعدّها من أثمن ما منّ الله به عليّ: تخرّجي ضمن الدفعة الأولى من المتطوعين المدنيين، وتشرفي بإلقاء كلمة المتطوعين في الدفاع الجوي. يومها، عند أداء القسم، شعرتُ -كما شعر زملائي- أننا نقف في قلب الوطن، وأن الانتماء يُختبر عندما تتحول الكلمات إلى مسؤولية، والنية إلى التزام.
في هذه الذكرى، نوقن أن قوة دفاع البحرين ليست مؤسسةً تُستحضر في المناسبات، بل روحُ طمأنينةٍ تسري في تفاصيل الدولة. هي عنوان عزّةٍ وولاء، ومدرسة انضباطٍ وشرف، وبوصلةٌ تقول للأجيال: حبّ الوطن فعلٌ يُتقَن ووعدٌ يُصان ورايةٌ لا تُرفع إلا بسواعدٍ أمينة مخلصة.
مصدر الخبر
أخبار مصر اليوم اخبار مصرية حصرية