بدأ العد التنازلي لوداعية شهر شعبان واقتراب موعد حلول حبيبنا المنتظر شهر رمضان المبارك، كما شاهدنا منذ أن انقضت العشر الأوائل من شعبان الجاري، بدأت السلع الغذائية المألوف استهلاكها في رمضان تتصدر قائمة المبيعات وعروض التخفيضات بالجملة في الأسواق المركزية، وأيضاً ازدحمت رفوف المحلات بمختلف الأشكال والألوان من زينة رمضان كالفوانيس والاكسسوارت الشعبية وشخصيات فنانيس الكرتونية المشهورة وغيرها، وتم حجز الطلبيات الوافرة العدد لنقصه رمضان والمفرزنات، وتسابقت القنوات التلفزيونية بعرض برومو المسلسلات الدرامية في شهر رمضان المبارك.
ونرى أن البعض، وليس الكل يحافظ على روتينه السنوي في الحرص على ممارسات طقوسه الرمضانية المتمثلة في قضاء أوقات طويلة من ٢٤ ساعة في مشاهدة المسلسلات كأنها لو تعرض للمرة الوحيدة والأخيرة، ولن يتكرر عرضها مرة أخرى إلى أن يصبح لصيق التلفاز، ومن ناحية أخرى نرى الإسراف المفرط في تجهيز الأكلات وهدايا المسابقات المنزلية تنظيماً لدعوات «الغبقة» العائلية التي تتراوح تجمعاتها إلى ٤ أيام خلال الأسبوع الواحد، لتلعب كاميرات الجوالات دورها مرتفعة لالتقاط صور أجواء التجمعات و «سفرة الغبقة» ونشرها في «الستوري» للتباهي بها أمام الآخرين، دون مراعاة لمشاعر الجائعين ومعاناتهم.
أنا لست ضد الترفيه عن النفس في رمضان ولكن ينبغي أن تكون الأمور باعتدال، حيث لا تطغى الروتينيات الحياتية على أداء الطاعات الربانية، وبما أن ديننا الإسلامي الحنيف دين وسطي يوازن بين الروح ومتطلبات النفس، فمن حق الإنسان بعد صيام النهار وقضاء وقت العمل، أن يرفه عن نفسه بالقدر المعقول، فلا مانع من مشاهدة التلفاز والأنس بمتابعة المسلسلات أو البرامج، ولكن دون أن يغفل عن وقت العبادة، وعلى الصعيدين العائلي والاجتماعي من الواجب أن يصل الإنسان أرحامه في شهر رمضان خلال الزيارات العائلية والتجمعات بين الأصدقاء، فصلة الرحم أيضاً طاعة ربانية أمرنا بها الله عز وجل، ولكن يتوجب احترام حرمة الشهر الفضيل فيها، حيث يجتنب فيها البهرجة الزائدة والتقاط صور لكل ما يدور في التجمعات ونشرها للملأ، ما يتنافى مع الخصوصيات العائلية، وأيضاً يجب أن لا تكون المجالس العائلية المفتوحة فرصة للغيبة والنميمة والسب واللمز الذي يضيع أجر طاعة الشهر.
فالاعتدال والموازنة من خير الأمور قبل أن تعزم على القيام بالمهام الحياتية في الأيام الأخيرة من شعبان، كتصميم الديكورات في المنزل وتعليق الزينات واختيار مسبق لمشاهدة مسلسلات وتنظيم جدول للزيارات وغيرها، أدرج على رأس قائمتها جدولاً خاصاً لأداء الطاعات الربانية بأن تكون على سلم الأولويات خلال الشهر، حيث أن ينقضي وقتها المطول في تلاوة القرآن الكريم والمواظبة على صلاة التراويح في المسجد وزيارة مجالس الذكر التي تنير بصائر الصائمين بالقرب من الله تعالى أكثر فأكثر، وإخراج الصدقات على المحتاجين وغيرها من العبادات المستحقة تقديمها على سائر الأمور الدنيوية، التي لا خسران في فواتها إذا لم تأخذ حقها في رمضان، فالمسلسلات مستمر عرضها في المنصات والقنوات التلفزيونية تعيد عرضها في أوقات لاحقة، وأيضاً الزيارات والتجمعات مفتوحة إلى أجل غير مسمى، بخلاف شهر رمضان الذي يطل علينا مرة واحدة في العام، محملا للعباد الوفير من الخيرات والقبول وإجابة الدعوات والمغفرة والعتق من النار، ليس بالسهل على القلب الصادق التفريط في حقوق هذا الشهر.
أسأل الله العلي القدير أن يبلغنا شهره الفضيل ويعيننا على صيامه وقيامه، ويتقبل طاعتنا ويعيده علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، وعلى الأمتين العربية والإسلامية جمعاء.
مصدر الخبر
أخبار مصر اليوم اخبار مصرية حصرية