رمضان.. حين يُبنى الوطن من الداخل

مع إشراقة أول يوم من شهر رمضان المبارك، يدخل المسلم في البحرين كما في سائر بقاع العالم الإسلامي محطة إيمانية ليست كسائر المحطات. فالصيام في جوهره لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يمثل تجربة إيمانية عميقة، ومشروعاً لإعادة بناء الإنسان من الداخل، واستعادة توازنه النفسي والأخلاقي في عالم تتسارع فيه التحولات وتتزاحم فيه الضغوط.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

فالغاية العليا من الصيام هي تحقيق التقوى؛ أي الوعي الدائم بالله، بما ينعكس على السلوك الفردي، ويضبط العلاقة مع الذات والآخر والمجتمع.

وفي البحرين، يحمل رمضان خصوصية اجتماعية متجذرة في قيم التكافل والتراحم. فالمجتمع البحريني، المعروف بترابطه الأسري وتماسكه المجتمعي، يجعل من هذا الشهر فرصة لتعزيز العمل الخيري وروح المبادرة، سواء عبر الجهود الفردية أو من خلال المؤسسات الأهلية أو فاعلي الخير، التي تضطلع بدور فاعل في دعم الأسر المحتاجة وتنظيم المبادرات الإنسانية.

غير أن البعد الأعمق لرمضان يتجاوز الإطار التعبدي والاجتماعي، ليصل إلى بعد وطني واستراتيجي بالغ الأهمية. فاستقرار الأوطان لا يُبنى فقط بالمؤسسات والأنظمة، بل يُرسخ كذلك بمنظومة القيم التي تحكم سلوك الأفراد. وعندما يعزز رمضان في النفوس قيم الانضباط، وضبط النفس، واحترام النظام، والتسامح، والعمل الجماعي، فإنه يساهم بصورة غير مباشرة في تعزيز السلم الأهلي، وترسيخ الاستقرار المجتمعي.

إن التقوى، بوصفها وعياً أخلاقياً داخلياً، تمثل أحد أعمدة الاستقرار المستدام؛ فهي تخلق رقابة ذاتية تسبق أي رقابة قانونية، وتدفع الإنسان إلى أداء واجبه بإخلاص، سواء في عمله، أو في مسؤوليته الأسرية، أو في التزامه المجتمعي. ومن هنا، فإن رمضان ليس فريضة فحسب، بل هو مدرسة سنوية لإعادة تأهيل الضمير الفردي، بما ينعكس على قوة النسيج الوطني بأسره.

كما أن خصوصية البحرين، بما تتميز به من تنوع وتعايش تاريخي، تمنح هذا الشهر بُعداً إضافياً؛ إذ تتجلى فيه معاني الوحدة والاحترام المتبادل، وتتعزز صورة المجتمع المتماسك القادر على تحويل الاختلاف إلى تنوع إيجابي، والعبادة إلى مساحة جامعة لا فاصلة.

إن أول يوم من رمضان هو إعلان نية جماعية قبل أن يكون بداية صيام فردي. هو لحظة مراجعة للذات، وفرصة لتجديد العهد مع الله، ومع الوطن، ومع المجتمع. فالأوطان القوية تبدأ بإنسانٍ مستقيم الضمير، منضبط السلوك، واسع الرحمة.

حجر الزاوية

في نهاية المطاف، يبقى حجر الزاوية في معادلة الاستقرار والتنمية هو الإنسان نفسه. فإذا صلح الإنسان صلحت الأسرة، وإذا صلحت الأسرة قوي المجتمع، وإذا قوي المجتمع ترسخ الوطن. ورمضان، بما يحمله من قيم التقوى والانضباط والتكافل، ليس فريضة عابرة في تقويم السنة، بل هو البنية التحتية الأخلاقية التي يُعاد بها تشكيل الضمير العام كل عام.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي في رمضان لا يكون في كثرة المظاهر، بل في عمق التحول الداخلي؛ لأنه حين يُبنى الإنسان على أساسٍ من الإيمان والمسؤولية، يصبح الوطن أكثر ثباتاً، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر رسوخاً في وجه المتغيرات.


مصدر الخبر

شاهد أيضاً

«البحرين الوطني» يسجل 4% نمواً في صافي الربح العائد للمساهمي

«البحرين الوطني» يسجل 4% نمواً في صافي الربح العائد للمساهمي

أعلن بنك البحرين الوطني عن تحقيق نمو بنسبة 12% في صافي الربح العائد إلى المساهمين، …