قبل أسابيع قليلة، كان مضاربو العملات المشفرة يمنون أنفسهم بارتفاعات متتالية، وظنوا أن بلوغ قمة 120 ألف دولار هي محطة لارتفاعات أخرى، لكن الهبوط الدراماتيكي الأخير يؤكد عودة الأسواق للواقعية؛ فهذه الانخفاضات لا تعد نهاية للبيتكوين، بقدر ما هي مرحلة «النضج القاسي» وتطهير للسوق من مستويات غير منطقية كانت تُبنى على التغريدات، وقد تكون مرحلة لإعادة استخدام هذه التقنية في شيء آخر غير الأموال.
واليوم العالم يتحول من مرحلة «المضاربة» إلى مرحلة «المنفعة»؛ حيث أثبتت العملات المستقرة (مثل USDT و USDC) أنها الأداة الأكثر موثوقية لارتباطها بالقيمة الحقيقية ودعمها باحتياطيات نقديّة أو أذون خزانة، ولم تعد المؤسسات المالية تنظر إليها كأداة تداول، بل كبنية تحتية للمدفوعات العابرة للحدود، توفر سرعة وبرمجة لا تملكها البنوك التقليدية، مما قد يرفع قيمتها السوقية إلى 600 مليار دولار بحلول نهاية 2026.
وبينما يظل «ساتوشي ناكاموتو» مخترع البيتكوين شخصية غامضة، نجد العملات المستقرة تظهر بوضوح عبر شركات معروفة مثل (Circle)
و (PayPal)، وتخضع لتدقيق مالي دوري، وهذا يزيل مخاطر «مجهولية المصدر» التي تؤرق المؤسسات التقليدية.
لقد أدرك العالم افتقاد «المشفرة» للصفة الشرعية والوضوح التنظيمي، فظهرت تشريعات مثل (CLARITY) الأمريكي و (MiCA) الأوروبي، وخطت مملكة البحرين خطوة رائدة في يوليو 2025 بإصدار إطار تنظيمي شامل ومخصص للعملات المستقرة، لتصبح من أوائل الدول التي تضع «كتيب قواعد» مفصلاً يحمي المتداولين وينظم الأسواق.
وفي المقابل، نجد الصين تفرض سيطرة كاملة عبر «اليوان الرقمي» (CBDC) لمنع هروب رؤوس الأموال، مما أدى لهجرة السيولة الصينية من العملات المشفرة التقليدية.
ويرى الخبراء أن المستقبل لن يشهد تعاملات مع البيتكوين كعملة شراء، بل سيتم «إعادة تدوير» تقنيتها لخدمة أغراض أمنية سيبرانية؛ مثل حماية الهوية الرقمية، وإنشاء أنظمة هوية وطنية غير قابلة للاختراق عبر البلوكشين، كما ستلعب هذه التقنية دوراً حاسماً في مكافحة التزييف العميق (Deepfakes) من خلال توثيق الصور والفيديوهات الأصلية بسلاسل الكتل.
وبهذا يمكن القول بأن العملات المشفرة ستشهد تحولا من أداة محتملة لغسل الأموال، إلى وسيلة لكشف المجرمين، حيث تستخدم الوكالات الأمنية الآن «البصمة الرقمية» لتتبع التدفقات المشبوهة لحظياً، ولتبقى هذه التكنولوجيا في المحصلة النهائية كدرع أمني، وليس عملة تداول لا يعرف مصدرها ويمكن لمسها أو الإحساس بقيمتها.
وفي المقابل فإن البنوك التجارية العاملة في المنطقة، تنظر إلى العملات المستقرة كفرصة لإعادة ابتكار الخدمات المصرفية، بالتزامن مع صدور تشريعات مصرف البحرين المركزي، وبدأت في اتخاذ خطوات استباقية لاعتماد العملات المستقرة المرخصة كـ «عملة وسيطة» في التسويات، مع إمكانية قيام البنوك بإصدار «عملات مستقرة خاصة بها» تحت رقابة المصارف المركزية، وهذا أيضا سيمنح المودعين خيار الاحتفاظ بمدخراتهم في محفظة رقمية تتمتع بمرونة التداول التقني وأمان المؤسسة البنكية التقليدية، وكل ذلك سيعزز مكانة المنطقة والبحرين تحديداً كمركز عالمي للابتكار المالي الملتزم بالمعايير الأمنية والشرعية.
مصدر الخبر
أخبار مصر اليوم اخبار مصرية حصرية