العالم لم يعد يُدار بالدبابات كما يتوهم البعض، بل بالروايات. ومن يظن أن موازين القوى تُحسم بعدد الصواريخ يعيش خارج زمنه؛ المعركة الحقيقية اليوم تدور في العقول، لا في الخنادق، وفي الشاشات، لا في الثكنات. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، يخسر قبل أن يبدأ.
حين طرح جوزيف ناي مفهوم «القوة الناعمة» -وهي إحدى المقررات التي درسناها في مرحلة الماجستير بفضول كبير- حين طرح ناي المفهوم كان يقرأ تحوّلاً عميقاً في طبيعة النفوذ. الجاذبية، الصورة الذهنية، القدرة على الإقناع، وغيرها، كلها انتهت كونها عناصر تجميلية في السياسة الدولية، وأصبحت أدوات ضغط وتأثير قد تفوق في فعاليتها أي استعراض عسكري. هنا، الدولة التي تُحسن تسويق قيمها، وتُصدّر ثقافتها، وتجذب العقول والاستثمارات، تمارس نفوذاً صامتاً لكنه عميق جداً.
اليوم، لم تعد الجامعات والسينما والدبلوماسية العامة وحدها أدوات التأثير. المعركة انتقلت إلى الفضاء الرقمي، حيث تتحول حادثة محلية إلى قضية عالمية خلال دقائق. كل هاتف ذكي هو منصة إعلامية، وكل مستخدم محتمل أن يكون فاعلاً في تشكيل الرأي العام.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي، لم يعد التأثير عشوائياً أو عاماً، بل بات موجّهاً بدقة جراحية مخيفة. تحليل البيانات، تتبع الاهتمامات، صياغة الرسائل وفق ميول الجمهور، وغيرها، نحن أمام هندسة وعي ممنهجة، وليست أبداً تواصلاً تقليدياً.
القوة الناعمة خيار أقل تكلفة وأكثر ذكاء. الحرب تستنزف الموارد وتُنتج كراهية طويلة الأمد، أما التأثير عبر الصورة والرواية فيبني تعاطفاً وشراكات.
الدولة التي تقنع الآخرين بعدالة موقفها، وتُظهر نفسها كمركز للعلم والفرص والاستقرار، تفرض حضورها دون أن تطلق رصاصة واحدة. هنا النفوذ الحقيقي ليس أن تخافك الدول، بل أن تحتاج إليك.
مشكلة بعض الدول أنها لاتزال تتعامل مع الإعلام والدبلوماسية الثقافية كملفات ثانوية. تترك الساحة فارغة، ثم تشتكي من تشويه صورتها. في السياسة الدولية لا يوجد فراغ؛ إذا لم تروِ قصتك بنفسك، سيتكفل خصومك بذلك. وعندما تترسّخ صورة سلبية، يصبح تصحيحها أكثر كلفة من منعها في البداية.
واليوم هناك وجه آخر لهذه المعركة أكثر خطورة. وأعني هنا الذكاء الاصطناعي الذي يُتيح فرصاً هائلة للتأثير، يفتح الباب أمام موجات من التضليل والتزييف العميق وصناعة الأكاذيب المقنعة.
هنا تسقط القوة الناعمة الزائفة سريعاً. النفوذ المبني على الخداع قد يربح جولة، لكنه يخسر الحرب. لأن المصداقية، في النهاية، هي العملة الصعبة الوحيدة في سوق التأثير العالمي.
معركة هذا العصر ليست على الأرض، بل في الوعي.
ليست حول من يملك السلاح الأقوى، بل من يمتلك السردية الأكثر إقناعاً.
القوة العسكرية قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تخلق اقتناعاً دائماً. أما القوة الناعمة فتبني القناعة التي تتحوّل إلى دعم، وتحالفات، وشرعية.
من لا يفهم أن النفوذ اليوم يُصنع في العقول، سيستمر في الاستثمار في أخطاء الماضي ليخوض بها معارك المستقبل! عالمنا اليوم تحكمه الصورة والرواية، وعليه الخاسر ليس الأضعف عسكرياً، بل الأضعف سرداً.
مصدر الخبر
أخبار مصر اليوم اخبار مصرية حصرية