اقرأني كما كُتبت.. لا كما يُترجمني عقلك

وقفت في حيرة أنظر بتعجب لرف الكتب أمامي متسائلة أي الكتب هو الأقرب للحقيقي؟ كتاب واحد وثلاث ترجمات أي منها هو الأصدق والأقرب لما كتبه الكاتب؟

منذ فترة قررت أن أتعرف أكثر على نيتشه وفلسفته للحياة وبعد قراءة عدة اقتباسات من كتابه الأشهر «هكذا تكلم زرادشت» قررت أنه الأفضل الذي سأبدأ به رحلتي معه.

المشكلة الوحيدة التي واجهتني أنني عندما ذهبت لمحل بيع الكتب تفاجأت أن هناك ما يقارب من ثلاث نسخ مختلفة تماماً من الكتاب نفسه، الأمر الذي وضعني في حيره وجعلني أتساءل كيف لكلمة واحدة كُتبت أن تُترجم بثلاثة معانٍ مختلفة؟

ألا يُفترض أن تحمل الكلمات معنى واحداً؟ الجواب ببساطة لا، لا تحمل الكلمات معنى محدداً في الواقع (كما هي الكلمات كما نحن في الحقيقة)، كلٌ منا وُلد وعاش تجربة خاصة به وحدهُ، صقلته وكتبته بطريقة ما، بيد أن من حولنا يجاهد كل يوم في محاولات مستمرة لترجمتنا بطريقته الخاصة وفق قدراته وتوقعاته، لا أحد لديه القدرة السحرية لترجمة كلماتنا وتصرفاتنا كما هي في الحقيقة.

الناس غالباً تقرأ ما حولها وفق اعتقادات وتوقعات أساسها كل ما مروا به من خبرات وتجارب على مدى أعوام، لا أحد يتشارك معهم في هذه القراءة، حتى إن الإخوة الذين نشؤوا في نفس المنزل ومروا بنفس الظروف والمواقف، لن تكون لهم نفس النظرة والأحكام، إنها كما البصمة التي تميّزنا عن بعضنا البعض ما أراه أنا بعيني لا تراه أنت بعينيك.

لذا، نحن في الغالب نختلف ونتصادم، لأن ما يحمله الإنسان من معانٍ يصعب تفسيرها، قد يكون هذا أيضاً هو السبب الرئيسي الذي يدفع الإنسان دائماً للاجتهاد في ابتكار وسائل جديدة للتواصل، ليس الهدف منها أن نلتقي ونقترب، بل هدفها أن نجد طريقة نترجم بها بعضنا البعض بشكل أقرب للحقيقة.

ما يحدث هو أننا دائماً نُسيء ونُخطئ الظن بما يقوله ويفعله الآخرون من حولنا، لا أحد منا يقرأ الآخر كما كُتب، بل ولا نكتفي بذلك فقط، فنحن أيضاً نقوم بترجمة كل تصرّف وكلمة وفق معجم كلمات وتصرفات خاص بنا، فلا يهم ما يقوله الناس من حولنا، المهم هو ما أترجمه أنا، والأدهى أننا كُلنا نعتقد أن ترجمتنا للآخر هي الصحيحة.

الخلاصة: كُتبنا كلنا من مواقف وأحداث خاصة بنا وحدنا. لا يوجد كاتب واحد صقل شخصياتنا وطوّر من مفهومنا ونظرتنا للحياة. ليس صحيحاً أن تقرأ من حولك وفق معجمك الخاص.

اسمح لنفسك مرات بتغيير أسلوب الترجمة الذي تتبعه، وفي نفس الوقت افسح المجال للناس من حولك لتبسيط معاني كلماتها لتفهمها بشكل أقرب للحقيقة. تذكّر أن الأفضل دائماً هو أن تقرأ الناس كما كُتبوا، وليس كما يترجمه عقلك.


مصدر الخبر

شاهد أيضاً

«البحرين الوطني» يسجل 4% نمواً في صافي الربح العائد للمساهمي

«البحرين الوطني» يسجل 4% نمواً في صافي الربح العائد للمساهمي

أعلن بنك البحرين الوطني عن تحقيق نمو بنسبة 12% في صافي الربح العائد إلى المساهمين، …